جلال الدين السيوطي

207

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

فيه ويعيطون في قفاه فما غاب عنهم إلا مديدة حتى عمل عشر مقامات ، وأضافها إلى تلك ، وأصعد بها إلى بغداد ، فحينئذ بان فضله ، وعلموا أنّها من عمله ، وقال فيه بعضهم : شيخ لنا من ربيعة الفرس * ينتف عثنونه من الهوس أنطقه الله بالمشان وقد * ألجمه في العراق بالخرس وكان الحريريّ مولعا بنتف ذقنه . ومن تصانيفه : درّة الغواص في أوهام الخواص . وملحة الإعراب ، وشرحها . وله ديوان رسائل ، وديوان شعر ، وليس شعره ولا رسائله من نمط المقامات حتى كأنّ قائلها غير قائل تلك الرسائل وتلك الأشعار ، وقيل : إنّ مسوّداتها كانت حمل جمل ، وكان الحريريّ غنيّا له ثمانية عشر ألف نخلة ، وقيل : إنّه كان قذرا في نفسه وشكله ولبسه قصيرا دميما بخيلا ، توفي في يوم الاثنين سادس رجب سنة ستّ عشرة وخمسمائة ، وخلّف ولدين : نجم الدين عبد الله ، وقاضي البصرة ضياء الإسلام عبيد الله . قال العماد في الخريدة « 1 » : لم يزل ابن الحريريّ صاحب الخبر بالبصرة في ديوان الخلافة ، ووجدت هذا المنصب لأولاده إلى آخر العهد المقتفويّ . وكان الحريريّ يوما جالسا ببعض مجالس الأكابر ، فجرى ذكر قول البستيّ في رجل بخيل شرير : « إن لم يكن لنا طمع في درك درّك فاعفنا من شرك شرّك » . فلم يبق أحد إلا استحسنها ، وأقرّ بالعجز عن الإتيان بمثلها ، فقال ابن الحريريّ في الحال : إن لم تدننا من مبارك مبارّك فاعفنا من معارك معارّك . وقد واخذه ابن الخشّاب في المقامات ، وأجابه ابن بريّ عنها ، وأجابه أيضا المسعوديّ عن ذلك ، وممن حطّ عليه وتنقّصه ابن الأثير الجزريّ في كتابه المثل السائر ، قال الصلاح الصفديّ : وقد أجبت عمّا قال في كتابي نصرة الثائر على المثل السائر ،

--> ( 1 ) انظر : الخريدة ، مج 2 ، ج 4 ، 601 .